مجمع البحوث الاسلامية
64
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الاهتمام بها ، وتنبيها على أنّ كلّ واحدة منها منحازة عن الأخرى ، في الدّلالة على كمال قدرة اللّه ، وسعة رحمته وشمول نعمته . 2 - لقد أتى بها خلال أربع جمل بعد أن ذكر في آية قبلها خلال أربع جمل أيضا أربعا من آثار قدرته ورحمته في خلق السّماء والأرض ، حيث قال : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ، وهي خلق السّماوات والأرض جميعا ، وإنزال الماء من السّماء ، وإنبات حدائق ذات بهجة به ، وأنّهم لم يقدروا على أن ينبتوا شجرها ، فالموازنة بين الآيتين حاصلة تماما ، وفي نفس الوقت فيهما فروق ومشتركات أخرى . أ : فعل اللّه في الأخيرة واحد نوعا ، وهو « الجعل » وفي الأولى متعدّد ، وهو الخلق والإنزال والإنبات ، وتعجيز النّاس عن الإنبات . ب : أنّ الأربعة في الأخيرة معطوف بعضها على بعض ب « الواو » في عرض واحد ، وفي الأولى عطف ( انزل ) على ( خلق ) ب « الواو » وعطف ( أنبتنا ) على ( انزل ) ب « فاء » التّفريع ، تنبيها على أنّ الإنبات نتيجة طبيعيّة للماء ، متفرّعة عليه . ج : بدّل ( انبت ) فعلا غائبا مفردا مماثلا لما قبله ، أي ( خلق ) و ( انزل ) بصيغة ( أنبتنا ) فعلا متكلّما جمعا تعظيما ، وتنبيها على أنّه لولا مشيّته تعالى لما يتأتّى الإنبات عن الماء رأسا . د : ذكر إنبات حدائق ذات بهجة وشجرها ، دون إنبات الزّرع إشعارا بجمالها وتنوّعها وعظمها . ه : ومع هذه الفروق بين الآيتين ففيهما وحدة السّياق صدرا وذيلا بالاستفهام الإقراريّ فيهما ، وبالتّوبيخ في ذيلهما ، تأكيدا على التّوحيد العباديّ والأفعاليّ ، وترغيبا للنّاس إلى الاعتراف بهما والحذر من خلافهما ؛ حيث قال في الأولى : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ وفي الأخيرة : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . فوبّخهم أوّلا بعدولهم جميعا عن طريق الحقّ ، ثمّ بجهل أكثرهم إنصافا لهم وجريا مع الواقع ، لأنّ بعضهم كانوا عالمين بالحقّ . 3 - جلّ ما قالوا في « جعل ما بينهما حاجزا » يرجع إلى سبعة وجوه تفسيرا وتأويلا : أ : جعل بين البحرين حاجزا من الأرض كالأرض الواقعة بين بحر العراق وبحر الشّام ، وبين البحر الأبيض والبحر الأحمر ، وذلك لئلّا يطغى أحدهما على الآخر ، أو يختلطان ، أو يختلط الماء العذب بالماء المالح ، كما جاء في وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً الفرقان : 53 ، و مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ الرّحمن : 19 ، 20 ، ولكن قلّ في الأرض بحر عذب ، والبحار معظمها مالحة . ب : حاجزا بين ماء البحار المالحة وبين ماء الأنهار العذبة ؛ حيث يلتقيان فلا يطغى أحدهما على الآخر . ج : حجابا غير مرئيّا وقوّة خفيّة في طبيعة الماء العذب والماء المالح ، تمنع من اختلاطهما حتّى لا يفسدا لأنّ